تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

207

نظرية المعرفة

توضيح ذلك : إنّا إذا رأينا أشخاصاً معينين ، تقدر النفس على إدراك مفهوم كلي يصدق على هؤلاء وغيرهم . وهذا المفهوم بما أنّه يصدق على غير هؤلاء من الأفراد الموجودين في زمن الإدراك ، يكون تبسيطاً عَرْضياً للمعرفة . وبما أنّه يصدق حتّى على الأفراد الغابرة والآتية يكون تبسيطاً طولياً للمعرفة . فهذه المعرفة لا تتجاوز البسط والتعميم في كلا البعدين . ولكن هناك معرفة أُخرى أعلى وأكمل ، وهي التكميل العمقي للمعرفة ، وبسطها إلى آفاق عليا ، ألا وهي الاستدلال بالمرئي على غيره ، وبالآثار على ذيها ، وبالآيات على صاحبها . والاستدلال بالآية على ذيها على قسمين : الأوّل : الاستدلال بالآثار الحسيّة والطبيعية على شيء مادي ولكنه ليس بمحسوس للمستدلّ في ظرف إحساس الآثار وإدراكها . فالآثار الباقية من أصحاب الملاحم والدواوين قابلة للاستدلال بها على أنّه كان هناك نوابغ في الشعر والأدب نظموا هذه القصائد والدواوين ، كما هو الحال في الآثار العلمية الموروثة . فهذه الآثار أعني الدواوين والكتب ، محسوسة ، ولكن مؤلفيها ليسوا محسوسين في زمان إدراك الآثار ، ولكنها بالذات أُمور محسوسة في ظرفها . فيستدلّ - إذن - بالمحسوس في الآن ، على المحسوس بالذات ، استدلالًا آيوياً . الثاني : الاستدلال بالمحسوس على غير المحسوس بالذات ، وهذا الاستدلال بإتقان المصنوع على علم الصانع وقدرته ، وبجماله على ذوقه وبراعته . ومن هذا أيضاً ، الاستدلال بالآيات الموجودة في عالم الكون على أنّ له صانعاً عالماً قادراً قام بتنظيم الكون وتنسيقه وفق قوانين وسنن تحيّر العقول . والماديون يقرّون بكلا الاستدلالين ولا يفرّقون بينهما في حياتهم العملية . فهم كما يستدلّون بالكتاب الفلسفي على وجود فيلسوف ألفه وكتبه ، يستدلّون بأفعال الرجل وتصرفاته ، على روحياته ونفسياته من حسن وسوء ، وصفاء وخبث ، وإخلاص وخيانة ، مع أنّ حسن السريرة وسوءها ، وصفاء النفس وخبثها . . . كلها أُمور غيبية غير مرئية ولا واقعة في أُفق الحواس .